السعيد شنوقة
32
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
د - لا يوجد ما يثبت أنهم دعوا الخلق إلى البحث والتعمق والتفسير والتأويل في المتشابه ، وإنما الثابت أنهم زجروا من خاض فيه وسأل عنه وتكلم به « 1 » . لقد كان مذهب السلف إذن يكتفي بما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من أدلة على وجود الله جل وعز ، وصفاته ، دون زيادة أو نقصان . وعدوّه كافيا أيضا في تثبيت الإيمان وإقناع الكفرة ورد اليهود والنصارى إلى الصواب . لقد رأوا أن قواعد الإيمان وأصوله قد بينها القرآن ، قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] ، فهم أسلموا أنفسهم لله ، وآمنوا بالقدر ، واتخذوا الأسباب بما توفر لهم من قدرات وطاقات ، واحترزوا من الضلال والزيغ ، ولم يتبعوا المتشابه ، ولم يكن لديهم انجذاب وراء الجدل المردي « 2 » . وجاءت مرحلة أخرى ، بلغت فيها البيئة العربية الإسلامية مستوى النضج الثقافي والفكري ، ولفتها الخلافات السياسية والمذهبية وبخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين وما بعدهما ، فأخذ التفسير منحى آخر ، ولم يجد المفسرون غير أن يجتهدوا ويتجاوزوا الاعتماد على النقل إلى مرحلة الاجتهاد وتوظيف العقل أو الاستناد إلى اعتقادهم واعتماد القياس ، ففسروا بالرأي على هذا الأساس ، لأنه تبين لهم أن التحفّظ « 3 » في التفسير بالرأي إنما هو امتناع عن التفكير ، وعن النظر وعن استنباط الأحكام التي تتضمنها آيات غير قليلة من آي الذكر الحكيم ، وعليه
--> ( 1 ) انظر د . عبد الحليم محمود ، التفكير الفلسفي في الإسلام ، دار المعارف ، ط 2 ( د . ت ) ص 103 وما بعدها . ( 2 ) م ن ، ص 105 ، 106 راجع جولد . زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ترجمة دكتور عبد الحليم النجار ، دار اقرأ ، ط 5 ، بيروت ، 1413 ه 1992 م ، ص 73 وما بعدها يبسط فيه المؤلف الارتياب من الاشتغال بالتفسير والتفسير المشهود بصوابه ، وص 82 ، 109 وما بعدها . ( 3 ) ذكرت آثار عن السلف من الصحابة والتابعين تدلّ على تحرّجهم من القول بالرأي نذكر منها : عن أبي مليكة أنه قال : " سئل أبو بكر الصديق ( ر . ض ) في تفسير حرف من القرآن ، فقال : أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى " . انظر د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص ، 250 .